محمود شهابي
172
النظرة الدقيقة في قاعدة بسيط الحقيقة
الّتى غرب نور الوجود عندها ، وعزب فيضان التّجلى والظّهور لديها ، فيصحّ ان ينسب إلى الغرب فيقال للوجود المحدود بهذا الحدّ الّذى ليس ورائه الّا العدم والظّلمة : « غربىّ » وامّا صرف النّور ومطلقه وبحت الوجود ومحضه « 1 » الّذى هو الأصل والمبدء والمطلع فلا يتقدّم عليه شيىء في أزل الآزال كي يكون ذاك الشّيىء مشرقا له ولا يبقى متأخرا عنه شيىء في ابد الآباد حتّى يكون له مغربا فيقبل عليه ، ويسكن عنده ، وينقطع لديه ، فيضاف وينسب اليه . هو الأوّل والآخر والظّاهر والباطن وهو على صرافته وبساطته وسعته واحاطته لا شيىء في عرضه وفي قباله بل هو محيط على الكلّ ، واجد لحقيقة الكلّ ، فالكلّ منسوب اليه ولا ينسب هو إلى شيىء وكلّ موجود به ، مستمدّ من فيض اشراقه ، مستنير بواسع نوره ، مستضيىء ، حدوثا وبقاء ، وجودا وقواما ، أزلا وابدا ، بشعاع جوده - الدّائم ، وفيض وجهه الباسط ، وهو غنىّ في ذاته السّرمديّة ، قوىّ في اضاءاته وإفاضاته الأزليّة الابديّة ، عظم سلطانه وتعالى شأنه . امّا إذا كانت الأتّباع للقرائة الّتى تكون الصّيغة فيها مذكّرة ، سواء كان - الّلفظ ، ماضيا معلوما من « التوقّد » ( توقّد ) أو مضارعا مجهولا من « أوقد » كما في المصاحف ، ويكون اظهر ، فان جعل الوصف للزّجاجة أيضا ، باعتبار كونها كوكبا درّيّا ، فالكلام فيه على ما مرّ وان جعل الوصف للمصباح كما هو اصحّ وأصوب وبسوق الكلام وصياغة الكلمات انسب ، ولما هو في الخارج الواقع أقرب فكذلك يكون امر المفاد اى يكون الكلام إشارة إلى أن الأشتعال والأتّقاد ، وان شئت فقل :
--> ( 1 ) - فمن رفض العلائق ، وظفر على العوائق ، فترك الأهل ، وبرك بنفسه في معطن العقل ، وآنس نار الهداية من جانب الطور ، وجالس نور التوفيق في مشهد الشهود والحضور ، وجذبته جذبة العشق والشوق ، وغلبت عليه عذوبة التأله في الذوق ، وسلك وهو مجذوب ، ووصل إلى المطلوب المحبوب ، فلا محالة ينكشف عليه سرّ سير موسى وينجلى له حقيقة قوله تعالى : « فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ : أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » ويسمع من شاطى الأيمن في البقعة المتبركة ، من الشجرة المباركة ان النور المبين هو اللّه رب العالمين ، تعالى وتقدس .